فوزي آل سيف
8
الأمراض الاخلاقية: نظرة جديدة في عوامل السقوط
على ضوء هذا، لا ينبغي للأب - مثلا - أن يعطي ابنه السفيه أو المبذر المال. ولو حبسه عنه، لا يقال عنه أنه بخيل. لأنه حبسه عمن يستحق أن يُحبس المال عنه. بخلاف ما إذا كان لا يستحق أن يُحبس عنه، كأن يكون عاقلًا مدبرا، فينبغي على الأب حينئذ أن يكون سخيًا معه. أو كانت زوجة صالحة، فينبغي للزوج حينئذ أن يكون جوادًا بالنسبة إليها. وما دمنا في إطار التعريف نشير إلى أنهم قد ذكروا عنوانًا آخر قريبًا من البخل وهو الشح والفاعل منه الشحيح. وقد ورد كلا اللفظين في القرآن الكريم. فكما ورد البخل في مثل قوله تعالى: (الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ)، وورد أيضًا: (وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ)، وأيضًا: (وَأُحْضِرَتِ الْأَنفُسُ الشُّحَّ)، وهو: جمع شحيحة. فهل هما متساويان؟ أم أن بينهما فرقا؟ وقد ذكر بعض بأن الفرق بينهما هو أن البخيل: من يحبس ماله عن الغير، بينما الشحيح من يحب أن يُحبَس مال الآخرين أيضًا عن ذلك الغير. فتارة هو يمنع رفده وعطاءه، من أن يصل إلى الآخرين. وهذا هو البخيل. وأخرى لا يمنع ماله الشخصي فقط، وإنما يرغب لو أن مال غيره لم يصل إلى الآخرين أيضًا. فلو سمع أن سخيًا أعطى لشخص مبلغًا من المال. فإنه يتأذى! ويستنكر عليه ويتساءل لماذا يعطيه هذا المبلغ؟ ما الداعي أن يصرف عليه؟ مع أنه ـ أي الشحيح ـ لم يخسر فلسًا من جيبه! لكنه مع ذلك يتأذى من وصول حتى مال غيره للآخرين! وسيأتي - بعد قليل - أن هذا يشبه الإنسان الحاسد في بعض جوانبه. فالبخيل هو الذي يضن بمال نفسه ولا يسخو به، والشحيح هو الذي يضن بمال غيره، ولا يتمنى أن يكون غيره سخيا على الآخرين. وقيل إن الشح أشد من البخل (في درجته) وربما يشير إليه ما ورد أيضًا في مفردات الراغب من أن الشح: بخل مع حرص! وهناك من فرق بينهما بالنحو التالي، فقال: إن البخل هو الحالة الخارجية لهذا الإنسان، وهي: المنع. فعندما يمنع الإنسان عطاءه عن غيره، هذا بخل. ولكن الشح هو: الحالة النفسية الداخلية التي تمنعه عن العطاء، ولذلك يضاف الشح عادة إلى النفس (وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ). ووصفت الأنفس بالشحيحة (وَأُحْضِرَتِ الْأَنفُسُ الشُّحَّ) فكأنما الشح هو الصفة الداخلية، المحركة للبخل. أما البخل فهو المنع الخارجي. ولعل هذا الفرق أدق من الفرق السابق.. وهذا من الصفات الذميمة التي إذا استوطنت داخل إنسان أفقدته لذة الحياة، وأفقدت من يعيش معه أيضًا تلك اللذة فلا هو يتنعم بحياته، وماله ولا أهله ومن يعيش معه، وانما الذي يتنعم بها مالكو البنوك!. إن قسما من هؤلاء البخلاء مع تضخم أرصدته في البنك، يعيش أشبه بالفقراء، ويعيش معه أبناؤه منتظرين ملك الموت أن يقبض روحه حتى يستطيع العازب منهم أن يتزوج ومن يسكن بالإيجار أن يشتري له مسكنا.. وهكذا! ولا يعدم البخيل هنا تبريرا بأنه يريدهم أن يعتمدوا على أنفسهم وينشؤوا عصاميين! لكن حقيقة الأمر هي (وَأُحْضِرَتِ الْأَنفُسُ الشُّحَّ) ربما تراه يمنع ابنه من الزواج لحاجة الابن إلى المال بالرغم من احتمال انحرافه، وأحيانا خسارة الأب الأموال الكثيرة مجبرا عليها لتدارك انحراف ابنه أو ابنته وقد كان بإمكانه المنع من ذلك وقاية، بشيء من السخاء! إن بعضهم كأنه بوضع ماله في البنك واحتجابه عن الصرف على نفسه وأهله، فضلا عن المجتمع وأعمال الخير، يقول لمالك البنك: تفضل، اعمل بها، افتتح لك فروعا جديدة، تنعَّم! وأنا سأنتظر حتى آخر